محمد بن علي الشوكاني
2310
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
و [ لا ] ( 1 ) عاقل إن كذبها مجوز . فلما ورد الشرع بأن هذه الأمور التي لا تفيد إلا مجرد الظن يصح أن تكون أسبابًا لحكم الحاكم سواءًا : كانت مخصصة لعموم تلك الأدلة القاضية بعدم جواز العمل بالظن ، فجاز للقاضي أن يقضي على أحد الخصمين بمجرد الظن ؛ لوجود السبب الشرعي الذي ورد عن الشارع ، وكان حكمه بهذه الأمور الظنية معدودًا من الحق ، والعدل ، والقسط الذي امره الله أن يحكم به ، ولولا ورود الأدلة الدالة على أنه يجوز الحكم بها لما جاز للقاضي أن يقضي بشيء منها . بل كان الواجب عليه أن يقضي بعلمه الذي أمره الله بأن يتبعه ، ونهاه عن اتباع غيره من الظن وما دونه ، لأن كل ظن قد يتخلف . وقد أرشد الشارع إلى هذا إرشادًا لا يخفى على عارف . فقال - فيما صح عنه - : « إنما أقضي بما أسمع فمن قضيت له بشيء من مال أخيه فلا يأخذنه ؛ فإنما أقطع له قطعة من نار » ( 2 ) . فانظر إلى هذا الكلام من صاحب الشريعة - عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام ؛ فإنه أرشد المتخاصمين إلى أنه إنما يقضي بأشياء مسموعة لا معلومة ( 3 ) ، وأنها قد تتخلف ، وأنه لا يحل للمحكوم له [ 2 ب ] أن يجعل الحكم بتلك الأسباب المسموعة لا المعلومة موجبًا لتحليل ما حرمه الله عليه من مال أخيه ؛ إذا كان يعلم أن ذلك المستند المسموع ليس بمطابق للواقع . فإن الله - سبحانه - إنما جعل ذلك المستند المسموع سببًا لجواز الحكم للقاضي ، ولم يجعله سببًا لتحليل المحكوم به ، إذا كان ذلك السبب غير مطابق للواقع . ولهذا يقول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « فمن قضيت له بشيء من مال أخيه فلا يأخذنه ؛ فإنما أقطع له
--> ( 1 ) زيادة يستلزمها السياق . ( 2 ) وهو حديث صحيح وقد تقدم . ( 3 ) انظر : « المغني » ( 14 / 32 ) ، « فتح الباري » ( 13 / 139 ) .